الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

226

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مترادفان في المآل ، فكأنه قيل : إن الذي جادل فيه المجادلون سيقع لا محالة إذ انكشفت عنه شبه الضالّين وتمويهاتهم فصار بيّنا لا ريب فيه . وتأكيد الخبر ب ( إنّ ) ولام الابتداء لزيادة التحقيق ، وللإشارة إلى أن الخبر تحقق بالأدلة السابقة . وذلك أن الكلام موجه للذين أنكروا البعث ، ولهذا لم يؤت بلام الابتداء في قوله في سورة طه [ 15 ] إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لأن الخطاب لموسى عليه السلام . وجيء باسم الفاعل في آتِيَةٌ الذي هو حقيقة في الحال ، للإيماء إلى أنها لما تحققت فقد صارت كالشئ الحاضر المشاهد . والمراد تحقيق وقوعها لا الإخبار عن وقوعها . وجملة لا رَيْبَ فِيها مؤكدة لجملة إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ، ونفي الريب عن نفس الساعة ، والمراد نفيه عن إتيانها لدلالة قوله : آتية على ذلك . ومعنى نفي الريب في وقوعها : أن دلائلها واضحة بحيث لا يعتد بريب المرتابين فيها لأنهم ارتابوا فيها لعدم الرويّة والتفكر ، وهذا قريب من قوله تعالى : ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [ البقرة : 2 ] . فموقع الاستدراك الذي في قوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ هو ما يثيره نفي الريب عن وقوعها من أن يتساءل متسائل كيف ينفي الريب عنها والريب حاصل لكثير من الناس ، فكان الاستدراك بقوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ جوابا لذلك السؤال . والمعنى : ولكن أكثر الناس يمرون بالأدلة والآيات وهم معرضون عن دلالتها فيبقون غير مؤمنين بمدلولاتها ولو تأملوا واستنبطوا بعقولهم لظهر لهم من الأدلة ما يؤمنون بعده ، فلذلك نفي عنهم هنا وصف الإيمان . وهذا الاستدراك استئناف بياني ، ولولا أن ( لكنّ ) يكثر أن تقع بعد واو العطف لكانت الجملة جديرة بالفصل دون عطف ، فهذا العطف تحلية لفظية . و أَكْثَرَ النَّاسِ هم المشركون ، وهم يومئذ أكثر من المؤمنين جدا . [ 60 ] [ سورة غافر ( 40 ) : آية 60 ] وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ( 60 ) لما كانت المجادلة في آيات اللّه تشمل مجادلتهم في وحدانية الإلهية كما دل عليه قوله الآتي ، ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ